الحارث المحاسبي
12
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )
يقول القفطي في أخبار الحكماء ، وينادي على كل واحدة منهن ، ويتزايد الفسقة فيهن لليلة الواحدة ثم يؤخذن إلى الفنادق التي يسكنها الغرباء ، بعد أن تأخذ كل منهن خاتما يسمى « خاتم المطران » ليكون حجة بيدها من تعقب الوالي لها ، وإذا وجد خاطىء مع خاطئة دون « خاتم المطران » عوقب . ويذكر الجاحظ في كتاب « المعلمين » أن الأمويين كانوا يسمحون بخروج النساء مع الجند ، ولكن الخراسانيين وعلى رأسهم أبو مسلم منع هذه العادة ، وخرج الأجناد مع الغلمان ، فتولدت عادة اللواط بين العرب لا سيما في الجيوش . ولقد بلغت الأحوال السياسية مبلغا مؤسفا في ذلك العهد ، إذ أن الخليفة العربي - على الرغم من مظاهر الأبهة والجلال المحيطة به - كان في حقيقة أمره أداة في يد الفرس الذين جاءوا بالعباسيين بعد انقلاب قام به أبو مسلم الخراساني . وعلى الرغم من المذبحة التي وجهها الرشيد نحو أعيان الفرس المتسلطين فقد بقي نفوذهم قويا ، وإن كان قد اتخذ طريقا آخر ضد عقيدة الإسلام ذاتها ، حيث تسلطت فلسفاتهم الإلحادية ، وأرغموا المأمون على استفتاء العلماء على القول بخلق القرآن ، ولكنه كان استفتاء قهريا يراد به تقرير القول بخلق القرآن ومن ثم ينطلق المخطط نحو هدم قدسية القرآن ، وإخضاعه للمشيئة الإنسانية شأنه شأن كل شيء خلق من أجل الإنسان . لقد اشتدت هجمة الفرس على عقيدة الإسلام بقيادة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد ، وأرغموا الخليفة المتوكل بعد المأمون على ضرب المعارضين من العلماء للقول بخلق القرآن ، وكان ضرب الإمام أحمد بن حنبل في الحقيقة انتصارا معجزا للإسلام الشامخ العتيد من جهتين : أولاهما : أن السلاح الفكري الذي احتج به الفرس لخلق القرآن واهيا لا يثبت أمام النقاش والفحص ، ولذلك كان الضرب في مجال الفكر دون الحجة والبرهان إفلاسا واضحا وهزيمة فكرية ظاهرة . ثانيهما : أن صمود الإمام أحمد أمام المحنة لم يكن صمود أحمد بن حنبل ، بل كان صمود الإسلام الذي تغلغل في كيان أحمد بن حنبل فتكلم بلسانه ، أو منحه من القوة ما يصمد به أمام الجلد والتعذيب فكان صمود الإسلام باسم أحمد بن حنبل وهزيمته لجبابرة السلطان موازيا في المسيرة لصمود الإسلام وهزيمته لمعاول الهدم الساحرة التي تعمل في ضراوة لإسقاط أصلب عقيدة عرفها التاريخ الديني والسياسي جميعا ، ولكن الهزيمة الثانية كانت لقوى الإلحاد في العالم كله وعلى المستوى الشعبي لدولة بني العباس بصفة خاصة ، بقيادة كبار العلماء وأطهرهم سجية وسريرة .